ابن كثير
68
البداية والنهاية
قوله تعالى * ( كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين ، كذلك وأورثناها قوما آخرين ) * [ الدخان : 24 ] ثم أنشد قول النابغة : هما فتيا دهر يكر عليهما * نهار وليل يلحقان التواليا إذا ما هما مرا بحي بغبطة * أناخا بهم حتى يلاقوا الدواهيا وهذا يقتضي بادي الرأي أنه دخل دمشق وليس كذلك ، فإنه لم ينقل أحد أنه دخلها في شئ من قدماته الثلاث إلى الشام ، أما الأولى وهي هذه فإنه سار من الجابية إلى بيت المقدس ، كما ذكر سيف وغيره والله أعلم . وقال الواقدي أما رواية غير أهل الشام فهي أن عمر دخل الشام مرتين ورجع الثالثة من سرع سنة سبع عشرة وهم يقولون دخل في الثالثة دمشق وحمص وأنكر الواقدي ذلك . قلت : ولا يعرف أنه دخل دمشق إلا في الجاهلية قبل إسلامه كما بسطنا ذلك في سيرته . وقد روينا أن عمر حين دخل بيت المقدس سأل كعب الأحبار عن مكان الصخرة فقال : يا أمير المؤمنين أذرع من وادي جهنم كذا وكذا ذراعا فهي ثم . فذرعوا فوجدوها وقد اتخذها النصارى مزبلة ، كما فعلت اليهود بمكان القمامة ، وهو المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي شبه بعيسى فاعتقدت النصارى واليهود أنه المسيح . وقد كذبوا في اعتقادهم هذا كما نص الله تعالى على خطئهم في ذلك . والمقصود أن النصارى لما حكموا على بيت المقدس قبل البعثة بنحو من ثلاثمائة سنة ، طهروا مكان القمامة واتخذوه كنيسة هائلة بنتها أم الملك قسطنطين باني المدينة المنسوبة إليه ، واسم أمه هيلانة الحرانية البندقانية . وأمرت ابنها فبنى للنصارى بيت لحم على موضع الميلاد ، وبنت هي على موضع القبر فيما يزعمون . والغرض أنهم اتخذوا مكان قبلة اليهود مزبلة أيضا ، في مقابلة ما صنعوا في قديم الزمان وحديثه . فلما فتح عمر بيت المقدس وتحقق موضع الصخرة ، أمر بإزالة ما عليها من الكناسة حتى قيل إنه كنسها بردائه ، ثم استشار كعبا أين يضع المسجد ؟ فأشار عليه بأن يجعله وراء الصخرة ، فضرب في صدره وقال : يا ابن أم كعب ضارعت اليهود : وأمر ببنائه في مقدم بيت المقدس . قال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، ثنا حماد بن سلمة ، عن أبي سنان ، عن عبيد بن آدم وأبي مريم وأبي شعيب أن عمر بن الخطاب كان بالجابية فذكر فتح بيت المقدس ، قال : قال ابن سلمة : فحدثني أبو سنان عن عبيد بن آدم سمعت عمر يقول لكعب : أين ترى أن أصلي ؟ قال إن أخذت عني صليت خلف الصخرة وكانت القدس كلها بين يديك ، فقال عمر ضاهيت اليهودية لا ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتقدم إلى القبلة فصلى ، ثم جاء فبسط رداءه وكنس الكناسة في ردائه وكنس الناس . وهذا إسناد جيد اختاره الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتابه المستخرج ، وقد تكلمنا على رجاله في كتابنا الذي أفردناه في مسند عمر ، ما رواه من الأحاديث المرفوعة وما روي